الشيخ عبد الغني النابلسي
447
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
والمستوي الرّحمن فبحقيقته يكون سريان الرّحمة في العالم كما قد بيّناه في غير موضع من هذا الكتاب ومن الفتوح المكّي . فراعى صلى اللّه عليه وسلم الدرجات التي للحق تعالى فإن عالم الأمر الذي كني عنه بالأنفاس لا يتبين وتفوح به روائح الإيجاد الإلهي إلا بعد عالم الخلق لأنها درجات بعضها فوق بعض وإن كان الأعلى مقدما على الأسفل في قوله تعالى رفيع الدرجات ذو ، أي صاحب العرش وهو غاية الدرجات في الرفعة لا ستوائه تعالى عليه ، أي على العرش باسمه الرحمن الجامع لجميع الأسماء الحسنى كما قال تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) [ طه : 5 ] وقال تعالى : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الإسراء : 110 ] . فلا يبقى فيما حواه العرش الحاوي لكل مخلوق من ، أي شيء لا تصيبه الرحمة الإلهية المتجلي بها الرحمن تعالى وهو ، أي هذا المعنى هو معنى قوله تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] والعرش وسع كل شيء ، إذ لا شيء خارج عنه أصلا والمستوي ، أي المستولي والمتجلي عليه هو الرحمن سبحانه كما في الآية . فبحقيقته ، أي الاسم الرحمن يكون سريان ، أي شمول الرحمة الإلهية في العالم جميعه كما قدمنا في غير موضع واحد بل في مواضع متعددة في هذا الكتاب الذي هو فصوص الحكم ومن كتاب الفتوح المكية ، أي الفتوحات المكية أيضا . * * * وقد جعل الطّيب في هذا الالتحام النّكاحي في براءة عائشة فقال : الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ [ النور : 26 ] . فجعل روائحهم طيّبة وأقوالهم صادقة لأنّ القول نفس ، وهو عين الرّائحة فيخرج بالطّيّب والخبيث على حسب ما يظهر في صورة النّطق . فمن حيث إنه إلهيّ بالأصالة كلّه طيّب : فهو طيّب ؛ ومن حيث ما يحمد ويذمّ فهو طيّب وخبيث . وقد جعل الطيب اللّه تعالى في هذا الالتحام ، أي الانضمام والاتحاد النكاحي ، فإن النكاح معناه الضم والجمع والالتحام بين الأشياء .